ابن عطية الأندلسي

391

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

عليه وسلم ، ولم يثبت تكليفا إلا على الوجه الذي ذكرنا من تقدير النبي صلى اللّه عليه وسلم إياهم على ذلك . ومسألة تكليف ما لا يطاق ، نتكلم عليها فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . ولما ذكر المغفرة والتعذيب بحسب مشيئته تعالى أعقب ذلك بذكر القدرة على جميع الأشياء ، إذ ما ذكر جزء منها . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 285 ] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 ) سبب هذه الآية أنه لما نزلت وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ الآية التي قبلها . وأشفق منها النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم ، ثم تقرر الأمر على أن قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا ، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة ، مدحهم اللّه وأثنى عليهم في هذه الآية ، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر ، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى اللّه تعالى كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من المذلة والمسكنة والجلاء إذ قالوا سمعنا وعصينا ، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على اللّه أعاذنا اللّه من نقمه ، و آمَنَ معناه صدق ، و الرَّسُولُ محمد صلى اللّه عليه وسلم ، و بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ هو القرآن وسائر ما أوحي إليه ، من جملة ذلك هذه الآية التي تأولوها شديدة الحكم ، ويروى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما نزلت عليه قال : ويحق له أن يؤمن ، وقرأ ابن مسعود « وآمن المؤمنون » ، و كُلٌّ لفظة تصلح للإحاطة ، وقد تستعمل غير محيطة على جهة التشبيه بالإحاطة والقرينة تبين ذلك في كل كلام ، ولما وردت هنا بعد قوله وَالْمُؤْمِنُونَ دل ذلك على إحاطتها بمن ذكر . والإيمان باللّه هو التصديق به وبصفاته ورفض الأصنام وكل معبود سواه . والإيمان بملائكته هو اعتقادهم عبادا للّه ، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم . والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم كتاب اللّه المنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أو ما أخبر هو به ، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر « وكتبه » على الجمع ، وقرءوا في التحريم و « كتابه » على التوحيد ، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم « وكتبه » على الجمع ، وقرأ حمزة والكسائي « وكتابه » على التوحيد فيهما ، وروى حفص عن عاصم هاهنا وفي التحريم « وكتبه » مثل أبي عمرو ، وروى خارجة عن نافع مثل ذلك ، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء ، فمن جمع أراد جمع كتاب ، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند اللّه تعالى ، هذا قول بعضهم وقد وجهه أبو علي وهو كما قالوا : نسج اليمن ، وقال أبو علي في صدر كلامه : أما الإفراد في